حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
312
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضا عن البراءة ويتهمه . وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل ، ويحتمل أن يرجع الضمير في « فيها » إلى القتلة المعلومة من قتلتم وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل . وقد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ [ الكهف : 18 ] فلهذا صح عمل اسم الفاعل . وهذه الجملة معترضة ، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص ، لأن هذا يتناول كل المكتومات . وفيها دليل على أن اللّه لا يحب الفساد ، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلا ، وأن ما يسرّه العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فاللّه سيظهره ، ويعضده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن عبدا لو أطاع اللّه من وراء سبعين حجابا لأظهر اللّه ذلك على ألسنة الناس » وكذلك المعصية والضمير في اضْرِبُوهُ عائد إلى النفس ، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان ، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة قَتَلْتُمْ أو ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها ، وقيل : فخذها اليمنى ، وقيل : عجبها ، وقيل : العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن ، وقيل : الأذن ، وقيل : البضعة من بين الكتفين ، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا ، وهاهنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي اللّه الموتى . روي أنهم لما ضربوه قام بإذن اللّه وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك ، ويؤيده قوله نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس للقاتل من الميراث شيء » « 1 » والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي . ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقا كالعادل إذا قتل الباغي ، أو غير مستحق عمدا كان أو خطأ . وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه . وقال مالك : لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله . ومحل كَذلِكَ نصب على المصدر أي يحيي اللّه الموتى مثل ذلك الإحياء . وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة ، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين . وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير « فقلنا » بعد تقدير « فضربوه فحيي » وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائله على أنه قادر على كل شيء . فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية ، ودلالتها على صدق موسى عليه السلام
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الديات باب 14 .